أبي طالب المكي

42

علم القلوب

صدق المسيح ، عليه السلام ؛ لأن اللؤلؤة الواحدة قيمتها من درهم إلى ألف ، والكلمة من الحكمة يتنبه بها العبد الغافل ، فيخرج بذلك من غفلته ، ويطيع ربه ، فينجو من النار ، ويدخل الجنة ، وقيمة الرجل اثنا عشر ألفا ، وربما تنبه بكلمة واحدة ألف رجل ، فصارت الكلمة من الحكمة خيرا من عشرين ألف لؤلؤة ، بل خيرا من الدنيا وما بحذافيرها . وكان منصور بن عمار أحد الحكماء يجلو « 1 » كلامه عن القلوب الرين « 2 » ، والعمى ، فجرى يوما في محضره ذكر رابعة العدوية ، فبالغوا في مدحها ، وقالوا : هي إحدى المتحققات في زمانها ، وقد زهدت في الدنيا ، وادعت أنها لا تريد العقبى ، وتتكلم بكلام تتحير منه عقول الورى ، فقال منصور بن عمار : إن رابعة مع حالها ومقامها ، هي ميراث كلمة من حكمتى ، وكانت ممن رجع إلى كلام منصور . ثم قال منصور : أحدثكم عن بدو ما رزقني اللّه من الحكمة ، كنت مولعا في صباى برفع القراطيس من الأرض حتى عرفت بذلك ، وكان الصبيان ربما أولعوا بي ، فبينما أنا يوما في الصحراء ، إذ أصبت قرطاسا فيه : لا إله إلا اللّه ، رفعته ولم يكن بإزائى حائط ولا شئ أضع [ ه ] فيه ، فبلعته ، فرأيت من منامي تلك الليلة هاتفا يهتف بي ، فيقول : إن اللّه قد شكر [ لك ] ما فعلت ، وقد ألهمك الحكمة بما صنعت ، فانطلق بها « 3 » إن شئت ، وكل ما سمعتموه من كلامي فهو ميراث ذلك القرطاس . ويقال : إن الشافعي ، رضى اللّه عنه ، دخل في بعض الكور ، فاجتمع عليه قوم جهال ، فجعلوا يسألونه فيجيبهم ولا يفهمون ، فأنشأ يقول : أأنثر درا بين سارحه النعم * أم أنشر منظوما لراعية الغنم

--> ( 1 ) في الأصل : يجلى . ( 2 ) الرين : صدأ القلوب من الذنوب ، والران والرين بمعنى واحد ، والمراد ما يتراكم على القلب من لذة المعصية ، وبتكرار المعصية يألف العبد لذتها ، فيتكون الران على قلبه ، ويتحجر ، ولا يحس بوعد ولا وعيد ، ولا يلين قلبه لذكر ، ولا يكون مستعدا لتلقى العلم ، والضابط الذي يجب أن يسير عليه العبد لمعرفة الحق من الباطل ، أن يعرض العمل على نفسه ، فإن وجد فيها تشوقا إليه ، وتلذذا بفعله ، فهو باطل ، وإن وجده ثقيلا على نفسه ، فهو حق يجب اتباعه . ( 3 ) في الأصل : به ، ولا غرابة في هذا الخبر ، فالمدار على النية في العمل ، وكم من عامل لمثل هذا العمل ، لا يجازى بشئ ؛ لأن نيته غير خالصة للّه تعالى .